زيارة بن فرحان: دعم لحكومة سلام وتحذير من اهتزاز الداخل

Thumbnail

كتبت جاسنت عنتر في “المدن”:

حملت زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان لبيروت هدفين أساسيين: تثبيت الاستقرار الداخلي ودعم الحكومة برئاسة نواف سلام. وتؤكد مصادر سياسية مطّلعة لـِ “المدن” أنَّ هذه الزيارة تعكس اهتمام المملكة العربية السعودية بالحفاظ على التوازن اللبناني، وهو ما عبّر عنه بن فرحان منذ وصوله إلى بيروت يوم الخميس، في سلسلة لقاءات سياسية وأمنية مكثفة.
وتشير هذه المصادر إلى أن الزيارة لا ترتبط بالتحركات السياسية الأخرى، ولا سيما زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل للرياض، إذ تختلف الأهداف والسياقات، وإن كانت تصب جميعها في خانة واحدة: منع الانزلاق نحو الفوضى وتعزيز الاستقرار. وتلفت إلى أنَّ المملكة لعبت دورًا محوريًا في الدفع نحو وقف إطلاق النار في لبنان ضمن تقاطع إقليمي بين إيران والولايات المتحدة، وهذا ما يضع هذه الزيارة في إطار استكمال الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة، لكن من الداخل هذه المرة.

رسائل دعم سياسية… الحكومة “خط أحمر”
في صلب اللقاءات التي عقدها الموفد السعودي، برزت رسالة واضحة مفادها أن حكومة نواف سلام تمثل “خطًا أحمر”، خصوصًا في هذه المرحلة الحساسة التي تكثر فيها الشائعات حول محاولات لإضعافها أو إسقاطها، على حد قول مصادر نيابية لـ”المدن”. وشدد بن فرحان على ضرورة حماية الاستقرار الحكومي، معتبرًا أن أي اهتزاز في السلطة التنفيذية سينعكس مباشرة على الوضع الداخلي.
كما ركّز على أهمية العلاقة بين الرؤساء الثلاثة، داعيًا إلى الحفاظ على التنسيق الكامل بينهم، ورافضًا أي توجه نحو اتخاذ قرارات أحادية. وفي هذا السياق، شدد على أن إدارة المرحلة يجب أن تقوم على التعاون المؤسساتي لا على التباينات السياسية، في محاولة واضحة لتفادي أي تصعيد داخلي.

تركيز خاص على العلاقة مع برّي
ومن بين المحطات البارزة في الزيارة، كان التركيز اللافت على رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث حرص بن فرحان على تأكيد متانة العلاقة معه وأهميتها في المرحلة الحالية. وتشير المعلومات إلى أن الموفد السعودي خصّ بري بلقاءين، الأول صباحًا والثاني بعد اتصال هاتفي جمعه بوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس حجم الرهان على هذا الخط في تثبيت الاستقرار السياسي.
هذا التركيز لم يكن عابرًا، بل جاء في سياق تأكيد ضرورة الحفاظ على قنوات التواصل بين مختلف الأفرقاء، وعلى دور بري في إدارة التوازنات الداخلية، خصوصًا في ظل تعقيدات المرحلة الراهنة.

خشية من انفجار داخلي
وتكشف مصادر نيابية أن الهاجس الأمني كان حاضرًا بقوة في لقاءات بن فرحان، حيث أبدى قلقًا واضحًا من إمكان حصول توترات أو اقتتال داخلي. وقد تكررت عبارة “الاستقرار” في معظم مداخلاته، في إشارة إلى أن المملكة ترى في أي تحركات في الشارع تهدد الحكومة أو النظام السياسي مؤشرًا خطيرًا يجب احتواؤه.
وفي هذا الإطار، شدد الموفد السعودي على رفض أي خطوات تصعيدية، معتبرًا أن التحركات التي تحمل طابع الضغط لإسقاط الحكومة غير مقبولة، لما قد تجرّه من تداعيات على السلم الأهلي.

الطائف كمرجعية ثابتة… والتفاوض بشروط
على الصعيد السياسي، أعاد بن فرحان التأكيد على أن اتفاق الطائف يبقى الإطار الوحيد القادر على تنظيم العلاقة بين مختلف الأطراف اللبنانية، داعيًا إلى العودة إليه بشكل كامل، والابتعاد عن الخطاب التصعيدي الذي قد يهدد الوحدة الداخلية.
أما في ما يتعلق بملف التفاوض، فقد اعتبر أن المرحلة الحالية تشكل فرصة للبنان، خصوصًا في ظل الدعم الأميركي بقيادة دونالد ترامب. لكنه شدد على أن أي مسار تفاوضي يجب أن يحقق مصلحة لبنان، وأن يرتكز على ملفات أساسية، في مقدمتها استعادة الأراضي المحتلة ومعالجة مسألة سلاح حزب الله، وهو ما يتوافق مع الرؤية السعودية.
وفي موازاة ذلك، لفت إلى أن المملكة تحافظ على علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في إشارة إلى دورها المتوازن في إدارة الملفات الإقليمية.

اهتمام بالساحة السنية
إلى جانب لقاءاته مع الرؤساء، عقد بن فرحان سلسلة لقاءات مع شخصيات سياسية من مختلف الاتجاهات، مع تركيز واضح على القيادات السنية، حيث التقى نوابًا وشخصيات من كتل متعددة، إلى جانب قادة الأجهزة الأمنية ومسؤولين سياسيين. فقد التقى، إضافة إلى الرؤساء الثلاثة، النواب من كتلة الاعتدال إلى النائب مخزومي وكتلة التوافق الوطني وصولاً إلى قادة الأجهزة الأمنية ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، وصولاً الى اللقاء التشاوري وبعض الشخصيات الأخرى بين لقاءات في اليرزة أو في المقرات.
ويعكس هذا الحراك، وفق مصادر متابعة، اهتمامًا سعوديًا بإعادة تنشيط الدور السني في الحياة السياسية اللبنانية، في إطار الحفاظ على التوازنات الداخلية وتعزيز وحدة الصف في هذه المرحلة الحساسة.

مفاعيل الزيارة تبدأ بالظهور
لم تمضِ ساعات على انتهاء اللقاءات، حتى بدأت مؤشرات التأثير تظهر، وكان أبرزها اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الحكومة نواف سلام، حيث جرى البحث في التطورات الراهنة والخطوات المقبلة.
وتشير مصادر سياسية لـِ “المدن” إلى أن هذه الزيارة قد تفتح الباب أمام تحركات إضافية تهدف إلى تخفيف التوتر السياسي، ولاسيما على خط معراب- عين التينه مثلاً، ما قد يظهر من خلال مبادرة تقوم بها القوات اللبنانية حيال بري.

بين الرياض وبيروت: مساران مختلفان لهدف واحد
وفي موازاة ذلك، تؤكد المصادر أن زيارة علي حسن خليل للسعودية تختلف في أهدافها عن زيارة بن فرحان للبنان، رغم تقاطعها في النتيجة. ففي حين جاءت زيارة خليل ضمن مسار تفاوضي إقليمي سعودي-إيراني داعم للمسار الأميركي، والذي ساهم في الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان، تأتي زيارة بن فرحان في إطار العمل على تثبيت التهدئة داخليًا ومنع أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
ومن اللافت، وفق من التقوا الموفد السعودي، أنه تعمّد الابتعاد عن استخدام مصطلحات مثل “الحرب الأهلية”، مفضلًا اعتماد خطاب هادئ يركز على الاستقرار والوحدة. إلا أن هذا الهدوء لا يخفي، بحسب المصادر، حجم القلق الإقليمي من أي اهتزاز قد يشهده الداخل اللبناني، في ظل مرحلة شديدة الحساسية.