كلفة إرضاع طفل واحد باتت مليوني ليرة شهرياً .. ماء وسكّر لأطفال الفقراء بعد إلغاء دعم الحليب

Thumbnail

لماذا تمّ الإبقاء على دعم حليب الأطفال لغاية أمس الأول، ما زالت السلعة تُستورد بكميّات هائلة ولا تتوفّر في الأسواق. لماذا لم يرفع الدعم عن الحليب في منتصف العام 2021 أسوة ببقية المواد الغذائية أو حتى قبلاً؟ لمصلحة من كانت تتمّ عمليات الشراء التي «تكفي بلدين»، بحسب ما قال وزير الصحة؟
أسئلة واضحة، جوابها دائماً ما يكون «معمّى»، ولا يستتبع بمحاسبة المرتكبين وتعويض المتضررين. ذلك أن أسهل طريقة للتهرب من المساءلة يكون بتشتيت المسؤوليات. فالاستيراد يتم بموافقات مسبقة من قبل وزارة الصحة ومصرف لبنان. والمستوردون يسلّمون المستودعات المرخّصة، أو تجار المفرق. والتجار يسلّمون الصيدليات. والصيدليات تبيع السلعة إلى المواطنين. الخلل يمكن أن يحدث في أي مرحلة من مراحل هذه السلسلة. وهذا ما يمكن الاستدلال عليه من تصريح الشركات بعدم القدرة على فتح الاعتمادات أو التأخر بها بأحسن الأحوال، وتحجّج المستودعات والصيدليات بعدم استلام ما يكفي من المواد.
الحق على الدعم!
في النهاية تأتي براءة الذمة عن كل هذا الخلل من وزير الصحة مباشرة من خلال التبرير بأن «علب الحليب، على عكس الأدوية، لا يمكن تتبّعها». في إشارة إلى أن سبب فقدان الحليب المدعوم كان شراء المواطنين – التجار كميات كبيرة من الحلقة الأخيرة في سلسلة البيع، لتهريبها أو بيعها في السوق السوداء. وبذلك تُطمس معالم الجريمة التي حرمت المواطنين الفقراء من السلع الرخيصة، واستنزفت ما تبقّى من حقوق المودعين الموجودة كتوظيفات إلزامية في مصرف لبنان.
الدعم لمصلحة التجّار
سياسة دعم السلع والأدوية والمواد الغذائية التي انتهجتها حكومات الأزمة المتعاقبة ابتداءً من العام 2019، بالتعاون مع مصرف لبنان، وضعت أساساً لمصلحة التجار وليس المستهلكين»، تقول نائبة رئيس «جمعية المستهلك» ندى نعمة. و»بغض النظر عن أن الدعم هو سمة من سمات الدول المتخلّفة، فقد وُضع الدعم من دون أي دراسة إحصائية لحاجات السكان الحقيقية. ودُفع ثمنه من الأموال الخاصة وليس العامة». وكان من واجب وزير الصحة أن يوقف هذه المهزلة منذ اليوم الأول لاستلام الوزارة، وليس الانتظار حوالى سنة وأربعة أشهر. ولا سيما مع معرفته أن «المواد المستوردة تنفد في اليوم الأول لطرحها في الأسواق».
المشكلة الأساسية تبقى في «الفشل الذريع في إدارة الأزمة بمختلف ملفاتها»، بحسب نعمة. و»هي الإدارة التي كلّفت المواطنين والاقتصاد معاناة وأكلافاً مادية تفوق بحجمها أكلاف الأزمة بحد ذاتها. فلو جرى دعم منظّم ومباشر للأسر والأفراد بدل دعم السلع، لكنا ضمنّا وصول السلع إلى مستحقّيها وعدم فقدانها».
الدعم المباشر كبديل أكثر فعالية
إيصال الحليب المدعوم إلى مستحقيه ليس «علم صواريخ». فـ»في لبنان حوالى 50 ألف طفل، تتراوح أعمارهم بين يوم واحد، وسنة. ومن السهل إعطاء ذويهم بطاقات دعم من المستشفيات أو دور الولادة أو حتى مراكز الشؤون الاجتماعية لشراء الحليب بالسعر المدعوم»، برأي الباحث في الدولية للمعلومات محمّد شمس الدين. و»إذا كان رفع الدعم عن مختلف السلع ومنها الحليب هو ضرورة لوقف التخزين والتهريب والبيع في السوق السوداء، فإن تنظيم الدعم المباشر على الحليب يخفّف ضغطاً كبيراً على مختلف الأسر نتيجة تحرير الأسعار بشكل كلّي».
الأسعار اليوم
مثله مثل مختلف الأدوية والأدوات الطبية، بدأ الدعم على حليب الأطفال لغاية عمر السنة، بنسبة 100 في المئة في أيلول 2019. وقتها كان متوسط ثمن علبة الحليب زنة 400 غرام يقدّر بـ 12 ألف ليرة. ومع ترشيد الدعم على الأدوية، تراجع الدعم على حليب الأطفال إلى 50 في المئة فقط. حيث ارتفع سعر العلبة بداية إلى حدود 100 ألف ليرة. وأصبحت معرّضة للارتفاع دورياً مع كل ارتفاع في سعر صرف الدولار في السوق الموازية، خصوصاً أن نصف ثمنها يؤمّن نقداً بحسب سعر الصرف الرائج، حتى وصل سعرها مطلع هذا العام إلى حوالى 170 ألف ليرة. الأمور ظلت على هذه الحالة لغاية أمس الأول، حيث اتخذ القرار برفع الدعم كلياً. فشهدت أسعار حليب الأطفال ارتفاعاً بنسبة 102 في المئة فوراً»، بحسب شمس الدين. ووصلت علبة الحليب زنة 400 غرام إلى 336 ألف ليرة. وسيرتفع هذا السعر أسبوعياً بموجب مؤشر التسعير، الموازي لسعر الصرف في السوق، الذي يصدر عن وزارة الصحة.
خارج قدرة العائلات
من البديهي أن الأسعار الجديدة لحليب الأطفال ستكون خارج متناول الكثير من الأسر والأفراد، وستصعّب العمل، حتى على الجمعيات المعنية بتقديم المساعدات. فـ»كلفة شراء كميات كافية من حليب الرضع والأطفال قد تصل إلى الحدّ الأدنى للأجور الذي تتقاضاه شريحة واسعة من اللبنانيين»، بحسب المديرة العامة لـ»جمعية العناية بالطفل والأم»، لارا عرقجي. والكثير من الأهالي يعمدون إلى تقليل عدد الوجبات إلى الحدّ الأدنى بهدف توفير كميات الحليب وجعلها تدوم لفترة أطول. حتى أن بعض الأهالي يعطون أطفالهم الماء والسكر كبديل عن الحليب لعجزهم عن شرائه».
يتطلب الطفل بين عمر يوم وسنة ما بين 4 و6 علب حليب شهرياً، بكلفة تتجاوز اليوم 2 مليون ليرة. وهذه الكلفة معرّضة للإرتفاع أكثر من كل زيادة في سعر صرف الدولار في السوق الموازية. هذا من دون احتساب المغذيات الأخرى من مقوّيات، وفيتامينات، وحفاضات... تباع بالدولار النقدي، أو بحسب سعر صرف السوق الموازية. ومن دون الأخذ في الاعتبار أيضاً الزيارات الدورية للطبيب، واحتمال إصابة الطفل بالأمراض، واضطراره إلى دخول المستشفى. في المقابل فإن «قدرة جمعية العناية بالطفل والأم تراجعت، وأصبحت تقتصر على المساعدة بعلبة حليب واحدة شهرياً وللأسر المسجّلة في الجمعية فقط»، بحسب عرقجي.
رفع الدعم في ظل هذه الظروف مصيبة، واستمراره مصيبة أكبر. وفي الحالتين يقع الحق على جهتين أساسيتين، وهما: الحكومة ومصرف لبنان. فالأولى، حرصت على اختلاف وزرائها على تنويع منافع الدعم حتى يصل الى مقربين وناخبين ومحسوبين سياسياً وطائفياً. أما مصرف لبنان، فساير الحكومة مراراً وتكراراً حتى تجاوز الإنفاق على الدعم 8 مليارات دولار. وإذا كان من المستحيل التعويض على المواطنين، أو حتى حمايتهم من شلال ارتفاع الأسعار المنتظر قريباً، فإن المحاسبة تبقى واجباً؛ ليس لضمان عدم تكرار الأخطاء، إنما لإقصاء المتسببين في شلال الأزمات عن الإستمرار بالتحكّم برقاب العباد.
 خالد أبة شقرا - نداء الوطن